ابن بسام

139

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

فيها ، وقد أسلمهم أميرهم يوسف بن سليمان بن هود لخطبهم [ 1 ] ، ووكلهم إلى أنفسهم ، وقعد عن النفير نحوهم ، فأقام عليها / العدوّ منازلا أربعين يوما ؛ ووقع بين أهلها تنازع على [ 2 ] القوت لقلّته ، ولما علم العدوّ بذلك جدّ [ 3 ] في القتال ، فدخل الكفرة المدينة البرّانية في نحو خمسة آلاف دارع ، فبهت الناس وتحصنوا بمدينتهم الداخلة ، ودارت بينهم حرب شديدة قتل فيها من النصارى خمسمائة ؛ ثم اتفق من قدر اللّه تعالى أنّ قناة من عمل الأوائل ، سربا تحت الأرض بتقدير موزون إلى أن أفضت إلى شطّ النهر ، فانهارت في نفس ذلك السّرب صخرة عظيمة الجرم [ صفوانة الخلق ] من حجارة بناية الأول سدّت السّرب بأسره ، فعدموا الماء وأيسوا من الحياة ، ودعوا إلى تأمينهم على النزول بأنفسهم خاصّة دون مال وعيال ؛ فأعطاهم أعداء اللّه [ 4 ] ذلك ، فلما خرجوا نكثوا بهم وقتلوا معا ، ولم يطلقوا منهم غير قائدهم ابن الطويل وقاضيهم ابن عيسى [ 49 أ ] في نفر من الوجوه قليل عددهم ، فحصلوا من غنائم بربشتر على ما لا يقدر [ حصره ] كثرة ؛ زعموا أنه صار لأكبر رؤسائهم ، قائد [ 5 ] خيل رومة ، في حصّته نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا كلهن ، ومن أوقار الأمتعة من الحليّ [ 6 ] والكسوة والوطاء خمسمائة حمل . وتحدّث أيضا أنه أصيب في هذا القتل والسبي مائة ألف نسمة [ 7 ] ، وشدّ الكفار أيديهم بمدينة بربشتر واستوطنوها ، وهلك من نساء بربشتر جملة يكثر عدّها عند إفلاتهنّ من عطش القصبة لتطارحهنّ على الماء ، / يكرعن فيه بغير مهل ، فكبّهن للأذقان موتى [ 8 ] ، وكان الخطب في هذه النازلة [ 9 ] أعظم من أن يوصف أو يتقصّى . قال أبو مروان : وبلغني أنه كانت المرأة تطّلع من فوق سور المدينة ، فتنادي من يدنو [ 10 ] إليها من الكفرة عن جرعة ماء لنفسها أو لطفلها ، فيقول لها : هاتي ما معك ،

--> [ 1 ] ط س : لحطبهم . [ 2 ] ط س د : في . [ 3 ] ط د س : واعلم . . . فجد . [ 4 ] ط د س : فأعطاهم العدو . [ 5 ] ط س د : نحو قائد . [ 6 ] ط د س : والحلي . [ 7 ] ط د س : أصيب فيها بالقتل والسبي خمسون ألفا . [ 8 ] وهلك من نسائها عند إفلاتهن من عطش القصبة عدد كثير لتطارحهم . . . يكرعون . . . نهل ، فكبهم . . . موتا . [ 9 ] ط د س : المدينة . [ 10 ] ب م : يدني .